حسن بن موسى القادري
447
شرح حكم الشيخ الأكبر
85 - من هام قام . ثم قال قدّس سره : ( من هام ) شيئا وأحبه ( قام ) وانتصب لتحصيله ووصوله ، أو من عشق شيئا وتحير فيه قام بشأن ذلك الشيء كالملائكة المهيمنين فإنهم قاموا بشأن اللّه وانتصبوا لخدمة اللّه فقط ؛ لأنهم هاموا في جلاله وجماله ليس لهم شعور بغيره تعالى ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم كان منهم أخرجه اللّه تعالى للكمال من الهيمان قبل خلق الخلق بكثير من الأزمان . 86 - من صام عام . ثم قال قدّس سره : ( من صام ) وأمسك جميع جوارحه وقواه عما نهيت عنه مما لم يكن خلقها له وصرفها فيما خلقت له ( عام ) وساح وسار سير الإبل والسفينة ، فيكون من الساحين السائرين قال اللّه تعالى : « الصوم لي وأنا أجزي به « 1 » » ، فالصوم هو الإمساك فمن أمسك نفسه عن الحظوظ فهو بالعناية ملحوظ ومحفوظ . 87 - من تنقل توصل . ثم قال قدّس سرّه : ( من تنقل ) من الأحوالات التي لا ثبوت لها ( توصل ) إلى المقامات التي لها ثبوت من غير النهايات ، ومن تنقل من الدّنيا والآخرة بالانقطاع عنها والتوجه الكلية إلى الحضرة العلّية توصل إلى المرتبة الاصطفائية بحسن متابعة الشريعة النبوية ، ومن تنقل من المأسي ولو كان كشفا وشهودا حتى شوق الوصول إلى المولى توصل إلى الغاية القصوى والفائدة العظمى هذا باعتبار الأغلب والأكثر ، وإلا فقد يكون التوصل بدون التنقل كما يقع لأرباب الجذبة يكشف أولا عن كمال ذاته ، ثم يردون إلى شهود صفاته ، ثم إلى النطق بأسمائه ، ثم إلى شهود آثار أسمائه وصفاته فهم عكس السالكين . ويحتمل أن يكون قول المؤلف قدس سره : تنفل بالفاء وقام بالنوافل توصل إلى مقام القرب والتمكين كما يشهد به حديث النوافل المشهور ، لكن مفهومه إن من لم يتنفل لم يتوصل وليس كذلك ؛ لأن التوصل يكون بالفرائض كما بالنوافل ، بل قرب الفرائض أولى ؛ لأنه ذاتي وقرب النوافل صفاتي ، ولإخفاء في أولوية الأول من الثاني ومعنى القرب الذاتي أن يصير الحق ظاهرا والعبد يكون باطنا ، ومعنى القرب الصفاتي صيرورة العبد ظاهرا والحق باطنا ، وإنما يفهمه ذائقه وغيره ينكره أو يسلمه أو يعتقده .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2723 ) ، ومسلم ( 2 / 806 ) ، والترمذي ( 3 / 136 ) ، والنسائي ( 4 / 159 ) .